أحمد زكي صفوت
71
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
بكثف « 1 » ، وجمع وحدّ » فقال له سليمان : « تنصرفون ونرى فيما بيننا ، وسيأتيكم إن شاء اللّه رأى » . وانصرف عبد اللّه بن يزيد ، وإبراهيم بن محمد إلى الكوفة ، وأجمع القوم على الشخوص ، واستقبال ابن زياد . 61 - خطبة أخرى له ثم إن سليمان بن صرد قام في الناس خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « أما بعد أيها الناس ، فإن اللّه قد علم ما تنوون ، وما خرجتم تطلبون ، وإن للدنيا تجّارا ، وللآخرة تجارا ؛ فأما تاجر الآخرة فساع إليها متنصب « 2 » بتطلابها ، لا يشترى بها ثمنا ، لا برى إلا قائما وقاعدا ، وراكعا وساجدا ، لا يطلب ذهبا ولا فضة ، ولا دينا ولا لذة ؛ وأما تاجر الدنيا ، فمكبّ عليها ، راتع فيها ، لا يبتغى بها بدلا ، فعليكم ( يرحمكم اللّه ) في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل ، وبذكر اللّه كثيرا على كل حال ، وتقرّبوا إلى اللّه جل ذكره بكل خير قدرتم عليه ، حتى تلقوا هذا العدو ، والمحلّ القاسط فتجاهدوه ، فإنكم لن تتوسلوا إلى ربكم بشئ هو أعظم عنده ثوابا من الجهاد والصلاة ، فإن الجهاد سنام العمل ، جعلنا اللّه وإياكم من العباد الصالحين المجاهدين الصابرين على اللّأواء « 3 » وإنا مدلجون « 4 » الليلة من منزلنا هذا إن شاء اللّه فأدلجوا » فأدلج عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة 65 للهجرة ، وما زال يسير حتى انتهى إلى عين الوردة « 5 » فنزل في غربيّها .
--> ( 1 ) الكثف : الجماعة . ( 2 ) أي قد نصب نفسه طالبا لها ، نصب الشئ : رفعه فانتصب وتنصب . ( 3 ) الشدة . ( 4 ) أدلج : سار من أول الليل ، فإن سار من آخره فأدلج بالتشديد . ( 5 ) هي رأس العين : بلد في وسط الجزيرة .